تأمين

كان يبيع عند شانورَة لا يبيع عندها عادةً. كانت حمراء، فتباطأتُ بسيّارتي وتوقّفتُ خلف سيّارة أخرى. كعادتي في الشّهور الأخيرة، ابتسمتُ لرؤيته وفتحت النّافذة لأسلّم عليه. رآني وتقدّم نحوي ببطء. وعلى غير عادته، لم يبادر بالحديث.

– كيفك، عزيز؟

– منيح، قال.

لاحظت فتورًا في صوت عزيز الشّقيّ، فتورًا يتناقض تمامًا مع بداية معرفتي به، حين كان يضرب نوافذ سيّارتي، وأنا أنتظر على الحاجز وأتجاهله، ليحاول أن يبيعني العلكة. في إحدى المرّات، فَتَحَ باب السّيّارة. رفعتُ الفرملة اليدويّة بعُنف، وخرجت غاضبًا، في حين راح هو يتقافز بين السّيّارات بابتسامته الماكرة وجسده النّحيل القصير الذي لا يدلّ على أعوامه الاثني عشر. أمّا اليوم، فكان عزيز قانطًا.

– مالَك؟ حاسّك تعبان.

– والله زعلان، قال، وأخفض بصره.

– ليش زعلان؟

– الواحد بدون مصاري كيف بدّه يعيش؟ ما بينفع يعيش. قال، وراح يُقلّب قطع العلكة في الصّندوق الصّغير الذي بين يديه.

صمتُّ للحظة. لم أجد إلّا إجابة بلهاء تؤكّد كلامه، “صح، بينفعش يعيش.” وحدّقتُ في قطع العلكة بين راحتيه. تلك العلكة التي قال لي قبل شهور محاولًا إقناعي بأن أشتريها: “هاي من المُستَحَبّة عندكم”. إشتريتها آنذاك، ومنذ ذلك اليوم نحيّي الواحد الآخر ونتحدّث أحيانًا. أمّا اليوم، فلم أفعل سوى أن أُحدّق بيديه بحماقة، وكي أتهرّب من حزنه سألته:

– وين ساكنين إنتو، عزيز؟

– في المُخيّم.

– وكيف بتيجي لهون؟

أجابني بشرود، وهو ينظر إلى الشّانورة التي بدأت تتحوَّل إلى الأصفر. لا أذكر إجابته، لكنّي أذكر ما قاله بعدئذٍ. نظر إليّ فجاءةً وسأل:

– هي المُستشفيات ليش غالية؟

– المُستَشفيات ليش غالية؟

أصبحت الشّانورة خضراء. دَخلَت السّيارة التي أمامي المُفترق وحان دوري، لكنّي لم أُرِد أن أغادر في تلك اللّحظة بالذّات. نظرتُ سريعًا إلى مرآة الرّؤية الخلفيّة؛ خال لي أنّ السّيّارات الأخرى تحترم اللّحظة.

– عشان فش تأمين، صح؟

قالها برضوخٍ حاولتُ أن أبحث فيه عن تشكيك، لكنّي لم أجد. كانت هذه واحدة من حقائق الحياة المُطلقة، وكان عزيز قد تعلّمها اليوم، أو يوم أمس. لكنّي، هذه المرّة، لم أستطع أن أجيبه بالإيجاب. لم أُرِد أن أقتل شكًّا قد يكون مختبئًا في سبات بذرة. والشّانورة كادت تتحوَّل مرّة أخرى إلى الأحمر، وأنا أردت الهروب من عزيز وخيبة أمله في الحياة، فقلت له، ببلاهة مُجدّدًا:

– المرّة الجاية بحكيلك.

وعندما دخلتُ المُفترق وانعطفت يسارًا، كان السّؤال الذي يشغل بالي هو: تبًّا، ما الذي يمكنني أن أقوله له المرّة الجاية؟ بدأ خيالي ينسج تفسيرات لفهم ما الذي حصل ودفع عزيز إلى تعلُّم معنى كلمة ’تأمين‘ في هذه السّنّ المُبكرة – لا المعنى الدّلاليّ، بل تبعاته. إنتابني سؤاله مرّة أخرى: “الواحد بدون مصاري كيف بدّه يعيش؟”، وعندها أدركتُ أنّ لا مجاز في الفِعل ’يعيش‘.

One response to “تأمين

  1. redtree

    عزيز واحد من الأطفال اللي لازم نعتذر منهن كل مرّة منشوفهن، إنه لاقوا حالهن بعالمنا، اللي بدون مصاري مستحيل نعيش فيه، وبدون تأمين مستحيل تستقبلنا فيه مستشفيات. بدهاش كلّ هالبلاهة، باللّقاء الجاي إسأله إذا بينفع تروح تزورهن ببيتهن، واضح إنه مش بعيد. أكيد مساعدة صغيرة راح تغيّر عالمه لعزيز.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

Enter your email address to follow this blog and receive notifications of new posts by email.

عدد المركبات المعلوماتيّة التي وصلت إلى هنا

  • 4٬000 مركبة
%d مدونون معجبون بهذه: